نشأت سلمان وحوار الموسيقى والشعر

245٬267

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل –

جمع الموسيقي «نشأت سلمان» بين الكلمة واللحن أو الكلمة والنوتة، وهو ابن الشاعر الراحل «أنور سلمان» فقد استطاع تأليف الكثير من الألحان التي انبثقت عن قصائد استخرج منها النوتات، بما يجعلها قادرة على محاكاة السمع والحس، لتتشكل المفاهيم الموسيقية المدروسة والمنضبطة سمعيا بالمعنى الواسع للحن المدروس والقائم على معنى الكلمة أو قدرة النغمة على الاتحاد بالكلمة، ونلمس هذا في الكثير من المقطوعات الموسيقية التي قدمها الموسيقي «نشأت سلمان» كمعادلات ل0ا تختلف عن الأوزان في قصيدة أو نغمة في كلمة، بل! هي تندمج بشكل سلس في مقطوعة سمفونية مصغرة يستسيغها الحس السمعي وتتسرب إلى الوجدان مع المؤلف الموسيقي نشأت سلمان أجريت هذا الحوار.
– نشأت سلمان بين الكلمة والنوتة الموسيقية وقصيدة عزفتها لوالدك أين أنت وما هي القصيدة؟
بالنسبة لمسيرتي الفنيّة المتواضعة استطيع القول أنه «في البدء كانت النوتة» إلا أنه بحكم ترعرعي في بيتٍ سكنه الإبداع الأدبي والشعري! كان من الطبيعي أن ألامس جمالية الكلمة والقصيدة انتهاءً بتمازجها مع الموسيقى والنوتة بحيث إني أيقنت أن الجمال الفني لا يكتمل إلا بتكامل عنصرَي الكلمة والنوتة، وأتى بعدها الرسم ليضيف أبعادا ويفتح آفاقا. إذا، باختصار تبقى النوتة هي مجدافي الذي أعتمده في إبحار زورقي في محيط الفن . إلا أني استعين أحيانا بالكلمة والقصيدة للمساعدة على إيصال المعنى إلى شاطئ الشريك الآخر أي المتلقّي، فمن دون الوصول إلى الأخير لا معنى ولا متعة في أي عملٍ إبداعي..
بالإضافة إلى ذلك لاحظت خلال مسيرتي في التأليف الموسيقي أن ما يُعرف بالموسيقى الصامتة لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنةً مع الأعمال الغنائية، ولذلك تعمدّت إدخال عنصر الكلمة والصوت البشري على بعض إصداراتي الموسيقية الأخيرة وهذا ما ساعد فعلاً على تقريب المسافات بيني وبين المتلقي. يبقى أن أشير إلى أنه مع أني كتبت كلمات (بالإنجليزية) لمقطوعاتي الموسيقية التي صقلت بالغناء إلا أني لا أدعي أني شاعر.
– الموسيقى العربية تحديثها اليوم بات دراسة بحد ذاتها هل تؤدي المطلوب برأيك؟
أنا أنظر لهذه النقطة من ناحيتين هما الشكل والمضمون … إذا نظرنا إلى الشكل أولا، باعتقادي أن الموسيقى العربية وبحكم التطوّر التكنولوجي وسهولة التواصل المعلوماتي، قد دخلت موجات الحداثة منذ زمن بعيد فيما يتعلّق باستعمال التقنيات الحديثة في التسجيل والآلات الموسيقية أما إذا نظرنا إلى المضمون، فالأمر يختلف بعض الشيء حيث ما زالت الموسيقى العربية تتطوّر ببطء، و لهذا الأمر باعتقادي سبب رئيسي يتعلّق ببنية الموسيقى العربية ذي المبدأ الأفقي والتي تجعل من استعمال الهارموني (النغمات المتآلفة) أمرا معقدّا، وحتى نافرا في بعض الحالات كما هي الحال في المقامات ذات الربع تون. وبناء على ذلك تجدين المستمع العربي يميل عموما بشكل أكبر إلى الغنائية النغمية منها إلى موسيقى الآلات (Instrumental Music)) والهارمونيا. خاصة أن الموسيقى العربية تعوّض عن ضعفها الهارموني بغناها الميلودي.
– أين أنت من الموسيقى التصويرية وتطورها الذي بات في الدراما من أهم عناصر نجاحها؟
ألموسيقى التصويرية بشكل عامٍ هي الأحب إلى قلبي إن كانت تلك التي تصاحب الأفلام السنيمائية أو التلفزيونية (الدرامية والوثائقية) أو حتى موسيقى الألعاب الإلكترونية. الموسيقى التصويرية التي درستها وتعمقت في مجالاتها الى حد ما هي عالم واسع ومهم جدا للمؤلف الموسيقي، فبخلاف النص المُغنّى الموسيقى الصامتة، هي مجال رحب يسمح لدخول المؤلف أبعادا جديدة ومتنوعة لإبراز قدراته الإبداعية.
– رافقت موسيقى نشأت سلمان قصائد أنور سلمان هل تأثرت بهذا؟ وماذا أضافت لك؟
تحدثنا منذ قليل عن استعانتي أحيانا بالكلمة والقصيدة لتحفيز إيصال الموسيقى إلى المتلقّي، ولكني في الوقع لاحظت أن المعادلة تنطبق أيضا بشكل عكسي ولدرجة أكبر، وأقصد هنا مساهمة الموسيقى في إيصال الشعر إلى المتلقي فكانت مبادرتي بتأليف مجموعة موسيقية لمرافقة قصائد أنور سلمان وعندما صدرت في عام ٢٠٠٣ عن شركة إنتاج معروفة كانت من السوابق في ذلك الوقت حيث كان من النادر جدا صدور أعمال شعرية بصوت الشاعر مع موسيقى مؤلفة خصيصا للقصائد على طريقة الموسيقى التصويرية، وقد تركت أثرا طيبا عند الكثيرين من محبي الشعر، وقسم لا بأس به من الذين لا يجذبهم الشعر عبروا عن تذوقهم وإعجابهم بالعمل، وقد يعود ذلك للتكامل بين الموسيقى والشعر. هذا بالإضافة طبعا إلى قدرات «أنور سلمان» الصوتية في إلقاءه الشعر والتي كانت تشكل قيمة مضافة الى جمالية أسلوبه الشعري. وبعد رحيل الوالد الصاعق اصبح الحافز عندي أكبر للمساهمة في نشر وإبقاء أعماله حية، وهذا ما يدفعني أكثر إلى نشر أعماله من وقت لآخر مع موسيقى مصاحبة.
– لماذا توجهت نحو الموسيقى؟ وما هو اللحن الجديد أو المقطوعة أو السيمفونية؟
لم أتوجه نحو الموسيقى بل الموسيقى تلاحقني (يضحك). في الواقع أنا أمارس عملي الأساسي في مجال الهندسة والإدارة ولكني تابعت دراساتي وأعمالي الموسيقية من دون توقف وإن بغزارة أقل وقد درست التأليف الموسيقي والتوزيع الأوركسترالي، وعلى سبيل الدعابة ذكرت مرة أني أعمل بالموسيقى وأمارس هواية الهندسة خلال وقت الفراغ. في الواقع إن عدم اعتمادي على الموسيقى كعمل أساس لكسب العيش ساعدني كثيرا بتأمين حرية واستقلالية إلى حد كبير في اختيار أعمالي، وان انفذ الأعمال التي أحب وعلى الطريقة التي أحب. وغالبا ما يكون العمل يحمل رسالة أو معنى خصوصا الأعمال التي ألفت كلماتها بنفسي وهذا ما يفسّر عدم غزارة إنتاجي الموسيقى، فمثلا مقطوعتي الأخيرة «life goes on» هي رسالة أمل وخروج من الظلمة بعد المعاناة وكذلك مقطوعتي الموسيقية بعنوان «Fenix»
– ما هي المعزوفة الموسيقية التي تهديها لوالدك والمعزوفة التي تهديها لابنك؟
أهدي لوالدي مقطوعة Fenix الأخيرة وهي فعلا استعملت في احتفال إطلاق مؤسسة أنور سلمان وإطلاق جائزة أنور سلمان للإبداع، وهي موسيقى نابضة توحي بالنهوض والانطلاق من جديد بعد كارثة أو دمار، وهنا أذكر لأول مرة أن ما ألهمني بكتابة هذا العمل وتقديمه وربطه بذكرى رحيل الوالد هو بيتين للشاعر شوقي بزيع من قصيدته في رثاء أنور سلمان. فيقول:
وهل لِمِثْلِكَ أن تُرديهِ حادثةٌ
وهو الذي من عجين البرقِ قد جُبِلا؟
وهْو الذي شعرُهُ عنقاؤهُ، فإذا
قضى احتراقا تعالى في الذرى شُعَلا
أعتقد أن الشاعر شوقي بزيع قد يفاجأ عندما يعلم أن هذين البيتين شكّلا مصدر إلهام كبير لي لما فيهما من تأكيد على قوة الإبداع وانتصاره على الموت. أما لابنتي ذات الأعوام الثلاثة فقد خصّيتها في عيد ميلادها بمقطوعة Sonatina for Lena آملا أن تحوز على إعجابها ذات يوم ولو في عيد ميلادها المائة.

نقلاً عن صحيفة عُمان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.